صديق الحسيني القنوجي البخاري

445

فتح البيان في مقاصد القرآن

ملك مصر وفي شريعته التي كان عليها بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته ؛ وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفا لدين الملك وشريعته لولا ما كاد اللّه له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه ، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم إن جزاء السارق الاسترقاق ، فكان قولهم هذا هو بمشيئة اللّه وتدبيره . وهذه الجملة تعليل لما صنعه اللّه من الكيد ليوسف عليه السلام أو تفسير له يعني أن ذلك الأمر كله كان إلهاما من أمر اللّه ليوسف عليه السلام وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد وهو معنى قوله إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له والاستثناء منقطع ، إذ الأخذ بدين الملك لا يشمل المراد به ، فالمعنى ولكن أخذه بشريعة يعقوب . نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف عليه السلام بذلك ؛ والآية على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات لأن اللّه تعالى مدح يوسف عليه السلام ورفع درجته على إخوته بالعلم ، وقرىء درجات بالإضافة والتنوين وهما سبعيتان . وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ممن رفعه اللّه بالعلم من المخلوقين عَلِيمٌ أرفع رتبة منه وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه ، وقيل معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم إلى أن ينتهي العلم إلى اللّه وهو سبحانه فوق كل عالم . عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس فحدث بحديث ؛ فقال رجل عنده وفوق كل ذي علم عليم ، فقال ابن عباس : بئس ما قلت ؛ اللّه العليم الخبير وهو فوق كل عالم . وعن محمد بن كعب : سأل رجل عليا كرم اللّه وجهه عن مسألة فقال فيها ، فقال الرجل : ليس هكذا ولكن كذا وكذا ، فقال عليّ : أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم . وعن عكرمة قال : علم اللّه فوق كل عالم ، قال ابن الأنباري : يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه ولا يطمع نفسه بالغلبة لأنه لا يخلو عالم عن عالم فوقه ، وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء . وكان يوسف عليه السلام أعلم منهم . قالُوا إِنْ يَسْرِقْ أي بنيامين الصواع فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون يوسف عليه السلام وكان غرضهم من هذا الكلام إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، بل هذا وأخوه كانا على هذه الطريقة لأنهما من أم أخرى غير أمنا ، وقال الخفاجي : أتوا